07 - 04 - 2026

في وصف مصر 2026 | عزاء أم استعراض للـ" بودي جاردز"

في وصف مصر 2026 | عزاء أم استعراض للـ

في مصر التي يبيت كثيرون فيها بلا عشاء، تحولت مناسبات عزاء الأغنياء، ومشاهير السياسة، إلى صورة تكرس حقيقة الهوة المتسعة، بين الغالبية الفقيرة التي تجلس في مقاعد المتفرجين، وأولئك الذين يملكون السلطة والمال، ليحولوا مناسبات العزاء، إلى صورة تختزل الشرخ المتسع ، فبعد أن كان جل الشعب المصري الفقير، يتابع الدراما الوهمية على شاشات التلفاز، لقصور وأناس ليس بينهم وبينه أي شبه، بات يشاهد أيضا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، نوعا من الكوميديا السوداء، في سرادقات عزاء المتنفذين، وأصحاب السلطة، وهو يجلس عاجزا عن الفهم وعن الفعل، في مقعده الأبدي خارج دائرة اللعبة.

وكما كانت وسائل التواصل الاجتماعي، نعمة على شعوب، فإنها في مصر تحولت إلى نقمة، على شعب تحيط به النقم من كل اتجاه، ولأن وسائل التواصل الاجتماعي، منحت حرية نقل الصورة دون كلفة، فإنها فتحت شهية  أصحاب السلطة والنفوذ، إلى إكمال صورتهم، واستغلال مناسبات العزاء، التي يفترض أن تكون فرصة للتدبر في معنى الموت والحياة لإبراز سطوتهم وقوتهم.

خارج سرادقات العزاء الضخمة، لأناس متنفذين، تنقل الكاميرا حركة رجال من أصحاب النفوذ والسطوة، في بلد يأكله الفقر، وقد حضروا في سياراتهم الفارهة، محاطين بحراس شخصيين من ذوي العضلات المفتولة، يفتح السائق باب السيارة، للشخصية المهمة، بينما تترجل تلك الشخصية، في حالة من الاستعراض، فيتقدم أحد حراسه الشخصيين لإلباسه (الجاكيت) لينظر السيد في  حركة استعراضية ليس لها أي فائدة إلى اللاشئ يمينا ويسارا، قبل أن يتقدم يتبعه تابعوه حتى مدخل السرادق، وقد كان ملفتا خلال الفترة الأخيرة، تلك الصورة التي نقلتها عدة مواقع اخبارية، لوزير الأوقاف المصري، وهو يحضر مناسبة للعزاء، مرتديا زيا مغربيا كاملا ، بالطبع فإن الأمر لايتعلق بالزي المغربي، الذي لاغبار عليه، لكن الأحرى برجل دين مصري، يحتل منصبا دينيا رفيعا، أن يعتمر جبته وعمامته، وهو الزي المعروف لرجال الدين الإسلامي في مصر، وهو أمر يعزز من وجهة نظري مايقال من أن مناسبات العزاء، باتت مناسبة للاستعراض والبهرجة.

بعيدا عن التأثيرات الجنونية لوسائل التواصل الاجتماعي، التي وصلت إلى حد النيل من هيبة معنى مقدس كالموت، فإن ما تشهده مراسم العزاء في المجتمع المصري، من تحولات جذرية، يبدو ذا صلة وثيقة، بظهور وتنامي طبقة (الأوليجارش) أو الاغنياء الجدد، في البلاد والذين أسهموا بسلوكياتهم، في إحداث  تغييرات جذرية في المفاهيم الاجتماعية، حيث تحول النمط الاستهلاكي، إلى أداة لتعريف المكانة الاجتماعية، كما تحولت المناسبات الاجتماعية، إلى مناسبة لإظهار المكانة والوجاهة بشكل أساسي، وربما كان من المفهوم أن تظهر تلك الطبقة المحدثة، مفاهيم جديدة لمكانتها في مناسبات الفرح، لكن مايبدو غير مفهوم، ويثير الاشمئزاز هو امتداد ذلك التغيير إلى مناسبة الموت، التي تعد دينيا واجتماعيا مناسبة لتدبر الحقيقة الوحيدة ، وهي الموت بكل جلاله وهيبته.

كم من فقير في مصر عانى في حياته، ومات فلم يجد من يمشي في جنازته، في زمن تحول فيه حضور مراسم العزاء للمتنفذين، إلى مناسبة للعلاقات العامة، حيث يرحب الناس دوما بالأغنياء، وأصحاب الأموال دون الآخرين، وحيث أصبح إقامة "عزاء يليق"، وسيلة للتفاخر والمنافسة بين العائلات، فيما يُنظر لفخامة السرادق، كدليل على مكانة الميت وأهله الاجتماعية، فتحولت الضيافة في عزاء الإغنياء إلى ما يشبه "البوفيه المفتوح" في بعض الأوساط، حيث تُقدم أنواع فاخرة من التمور والحلويات والمشروبات، مما جعل البعض يصفها بأنها تحولت من "واجب" إلى "نزهة".

لقد بات العزاء في طبقات معينة في مصر، مساحة لإثبات المكانة، بدل أن يكون مساحة للتعبير عن المواساة في الفقد، أما  الأصل في العزاء فهو أنه مواساة لأهل الميت، ومساندتهم لتخفيف مصابهم، وحثهم على الصبر والدعاء للميت بالرحمة والمغفرة، بعد أن انقطع عمله ولم يعد ينفعه بعد مماته إلا الدعاء.

في بيئاتنا القروية البسيطة، كان العزاء ومازال مناسبة للتعاضد والمواساة، حيث كان الناس يأتون، من كل بيوتات القرية، يقدمون واجب العزاء، ويعرضون كل ما يقدرون على تقديمه لعائلة المتوفى ، كان العزاء يقام في قاعات بسيطة، أو خارج منزل أصحاب العزاء، وكان الأقارب والجيران يرسلون الطعام للمعزين، هذه هي الصورة التي اعتاد عليها المجتمع المصري الأصيل، والتي تتسق مع المفاهيم الدينية والاجتماعية في بلادنا، وكل ما نشهده الآن هو دخيل على الثقافة المصرية الأصلية، ودخيل على مبادئ الدين، لكنه على صلة بما تشهده مصر، من تشوه اجتماعي، بفعل طبقة صغيرة في حجمها،  تستولي على مقدرات كبيرة وتملك الوسيلة لتشويه قيم مصر الأصيلة.

إن مصر لاتعد استثناء في تلك الظاهرة القميئة، بل هي تمثل جزءا  من نمط اجتماعي أوسع، فحيثما ظهر صعود طبقي سريع  يتلازم مع ثقافة استهلاكية، تتضخم المظاهر حتى في مناسبات الحزن، وقد خبرت دول مثل الصين ونيجيريا نفس الظاهرة، حيث كان هناك خلط بين المعنى الحقيقي للموت واستخدام المناسبة لإثبات المكانة، وحيث كانت مناسبات العزاء، ومراسمه تعد ضرورة، لإظهار وجاهة العائلة، وقوة القبيلة لكن كل هذه الدول، نجحت عبر عدة طرق، من الاستعانة برموز اجتماعية ودينية كبيرة إلى تقديم عائلات كبيرة المثل  في العودة إلى المعنى الحقيقي والأصيل، واحترام قدسية الموت من خلال مراسم عزاء بسيطة دون بهرجة ودون استعراض.
--------------------------------
بقلم: أحمد عبدالرازق
(نقلا عن صفحة الكاتب على فيس بوك)

مقالات اخرى للكاتب

في وصف مصر 2026 | عزاء أم استعراض للـ